صديق الحسيني القنوجي البخاري

125

أبجد العلوم

ليس من العلم وإلا لكان واحدا عند جميعهم . ألا ترى أن علم الكلام كيف تخالف في تعليمه اصطلاح المتقدمين والمتأخرين وكذا أصول الفقه . وكذا العربية . وكذا كل علم تتوجه إلى مطالعته تجد الاصطلاحات في تعليمه متخالفة . فدل على أنها صناعات في التعليم . والعلم واحد في نفسه . وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد أن ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقض الدول فيه وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها كما مر ، وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستبحر عمرانهما . وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة ، ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما وما كان فيهما من الحضارة . فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا كان في دولة الموحدين بمراكش مستفادا منها ، ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها وقرب عهد انقراضها بمبدئها . فلم تتصل أحوال الحضارة فيها إلا في الأقل . وبعد انقراض الدولة بمراكش ارتحل إلى المشرق من إفريقية القاضي أبو القاسم ابن زيتون لعهد أواسط المائة السابعة فأدرك تلميذ الإمام ابن الخطيب فأخذ عنهم ولقن تعليمهم وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن . وجاء على أثره من المشرق أبو عبد اللّه بن شعيب الدكالي كان ارتحل إليه من المغرب فأخذ عن مشيخة مصر ورجع إلى تونس واستقر بها وكان تعليمه مفيدا ، فأخذ عنهما أهل تونس واتصل سند تعليمهما في تلاميذهما جيلا بعد جيل حتى انتهى إلى القاضي محمد بن عبد السلام شارح ( مقدمة ابن الحاجب ) وتلميذه . وانتقل من تونس إلى تلمسان في ابن الإمام وتلميذه فإنه قرأ مع ابن عبد السلام على مشيخة واحدة وفي مجالس بأعيانها . وتلميذ ابن عبد السلام بتونس وابن الإمام بتلمسان لهذا العهد ، إلا أنهم من القلة بحيث يخشى انقطاع سندهم . ثم ارتحل من زواوة في آخر المائة السابعة أبو علي ناصر الدين المشدالي وأدرك تلميذ أبي عمرو بن الحاجب وأخذ عنهم ولقن تعليمهم ، وقرأ مع شهاب الدين القرافي في مجالس واحدة ، وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى المغرب بعلم كثير وتعليم مفيد ونزل ببجاية ، واتصل سند تعليمه في طلبتها وربما انتقل إلى تلمسان عمران المشدالي من تلميذه وأوطنها وبث طريقته فيها وتلميذه لهذا العهد ببجاية وتلمسان قليل أو أقل من القليل . وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان . ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم . وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها ، فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون ، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة